الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

121

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بدلا من أن تأتيهم بدليل ، هددتهم بعذاب الله الذي شمل من سبقهم من الكفار ، وأنذرتهم بعقابه المخزي . . . فوجهت الخطاب للنبي ( صلى الله عليه وآله ) قائلة : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين . فأنتم تعترفون أن هذه الوعود تلقاها أسلافكم ، فلم يكترثوا بها ، ولم يروا ضررا . . فهلا سرتم في الأرض قليلا ، لتشهدوا آثار هؤلاء المجرمين المنكرين للتوحيد والمعاد ، وخاصة الآثار في المناطق القريبة من الحجاز . . . لتنظروا أن الأمر ليس كما تزعمون . ولكن سيحين موعدكم فلا تعجلوا . . . فأنتم كأولئك ستواجهون المصير المحتوم والعاقبة المخزية إذا لم تصلحوا أنفسكم ! . والقرآن دعا مرارا إلى السير في الأرض ، ومشاهدة آثار الماضين ، والمدن الخاوية الخربة التي حاق بأهلها سوء العذاب ، وقصور الظالمين المتداعية ، والقبور الدارسة والعظام النخرة ، والأموال التي خلفها أصحابها المغرورون ! ! إن مطالعة تلك الآثار التي تعبر عن التأريخ الحي لأولئك الماضين ، توقظ القلوب الغافلة ! وتبصرها بالحق . . . والواقع كذلك ، فإن مشاهدة واحد من هذه الآثار يترك في القلب أثرا لا تتركه مطالعة عدة كتب تأريخية ! . ( كان لنا بحث مفصل في هذا المجال ذيل الآية 137 من سورة آل عمران ) . مما ينبغي ملاحظته أنه جاء في هذه الآية التعبير ب‍ " المجرمين " بدلا من " المكذبين " . . . وهو إشارة إلى أن تكذيبهم لم يكن لأنهم أخطأوا في التحقيق ، بل أساسه العناد واللجاجة . وتلوثهم بأنواع الجرائم ! وحيث أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كان يشفق عليهم لإنكارهم ، ويحزن لعنادهم ، ويحترق قلبه من أجلهم ، إذ كان حريصا على هدايتهم ، وكان يواجه مؤامراتهم أيضا . . فإن الآية التالية تسري عن قلب النبي فتقول له : ولا تحزن عليهم ولا تقلق من مؤامراتهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون .